الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

282

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

حتّى نزلوا ( الذنائب ) ثمّ مرّ عليه جسّاس ، وهو واقف على غدير الذنائب ، فقال : طردت إبلنا عن المياه حتّى كدت تقتلهم عطشا . فقال : ما منعناهم من ماء إلّا ونحن له شاغلون . فمضى جسّاس ، ومعه ابن عمهّ المزدلف ، وقال بعضهم : بل ناداه جسّاس ، فقال : هذا كفعلك بناقة خالتي . فقال : أو قد ذكرتها ، أما إنّي لو وجدتها في غير إبل ( مرّة ) لا ستحللت تلك الإبل بها . فعطف عليه جسّاس فطعنه برمح ، فأنفذ حضنيه ، فلمّا تداجمه الموت ، قال : يا جسّاس اسقني الماء . قال : ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمّك إلّا ساعتك هذه - إلى أن قال - قال جسّاس لأخيه نضلة - ويقال له : عضد الحمارة : وإنّي قد جنيت عليك حربا * تغصّ الشيخ بالماء القراح مذكّرة متى ما يصح عنها * فتى نشبت بآخر غير صاح تنكّل عن ذئاب الغيّ قوما * وتدعو آخرين إلى الصلاح فأجابه نضلة : فإن تك قد جنيت عليّ حربا * فلا وان ولا رثّ السلاح فلمّا قتل كليب ، قالت بنو تغلب بعضهم لبعض : لا تعجلوا على إخوتكم حتّى تعذروا بينكم وبينهم . فانطلق رهط من أشرافهم ، وذوي أسنانهم حتّى أتوا مرّة بن ذه فعظّموا ما بينهم وبينه ، وقالوا له : اختر منّا ، إمّا أن تدفع إلينا جسّاسا فنقتله بصاحبنا ، فلم يظلم من قتل قاتله ، وإمّا أن تدفع إلينا همّاما ، وإمّا أن تقيدنا من نفسك . فسكت ، وقد حضرته وجوه بكر بن وائل ، فقالوا : تكلّم غير مخذول . فقال : أمّا جسّاس فغلام حديث السنّ ، ركب رأسه فهرب حين خاف ، فلا علم لي به ، وأمّا همّام فأخر عشرة وأبو عشرة ، ولو دفعته إليكم لصيّح بنوه في وجهي ، وقالوا : دفعت أبانا بجريرة غيره ، وأمّا أنا فلا أتعجّل الموت ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة ، فأكون أوّل قتيل ، ولكن هل لكم